https://www.facebook.com/khilafah.net

دولة الخلافة. هي الفرض والوعد، هي البشرى والمجد

تطبيق الدستاور / أنظمة أندرويد

نصر / النظام الاجتماعي

لباس المرأة في الحياة العامة

لباس المرأة في الحياة العامة يعني لباسها في الطريق العام وفي الاسواق وفي الحقول وفي الاسفار ، وقد أوجب الشارع الحكيم عليها أن يكون لها ثوب تلبسه فوق ثيابها حين تخرج للأسواق أو تسير في الطريق العام .وهذا يختلف عن موضوع ستر العورة ولايصح أن يخلط به .

فإذا كان هناك لباس يستر العورة فإن ذلك لا يعني أنه يجوز للمرأة أن تلبسه وهي سائرة في الطريق العام، لأن للطريق العام لباساً معيناً عينه الشرع، ولا يكفي فيه ما يستر العورة فالبنطال وإن كان ساتراً للعورة ولكنه لا يصح لبسه في الحياة العامة أي لا يصح أن يلبس في الطريق العام، لأن للطريق العام لباساً معيناً أوجب الشارع لبسه، فإذا خالفت أمر الشارع ولبست خلاف الثوب الذي عينه الشارع أثمت، لأنها تركت واجباً من الواجبات، ولذلك لا يصح أن يخلط موضوع ستر العورة بموضوع لبس المرأة في الحياة العامة. وكذلك لا يصح أن يخلط موضوع ستر العورة بموضوع التبرج، فكون البنطال يستر العورة إذا لم يكن رقيقاً لا يعني أن تلبسه أمام الرجال الأجانب وهي تلبسه في حالة تبدي محاسنها وتظهر زينتها، لأنها حينئذ وإن كانت ساترة للعورة ولكنها متبرجة، والتبرج قد نهى الشارع عنه، ولو كانت المرأة ساترة للعورة، فلا يعني كونها ساترة للعورة أن يكون ما سترت به العورة يجعلها متبرجة. لذلك لا يصح أن يخلط موضوع ستر العورة بموضوع التبرج، فكل منهما موضوع غير الآخر.

وأما لباس المرأة في الحياة العامة أي لباسها في الطريق العام في الأسواق، فإن الشارع أوجب على المرأة أن يكون لها ثوب تلبسه فوق ثيابها حين تخرج للأسواق أو تسير في الطريق العام، فأوجب عليها أن تكون لها ملاءة أو ملحفة تلبسها فوق ثيابها وترخيها إلى أسفل حتى تغطي قدميها، فإن لم يكن لها ثوب تستعير من جارتها أو صديقتها أو قريبتها ثوبها، فإن لم تستطع الاستعارة أو لم يعرها أحد لا يصح أن تخرج من غير ثوب، وإذا خرجت من غير ثوب تلبسه فوق ثيابها أثمت، لأنها تركت فرضاً فرضه الله عليها. هذا من حيث اللباس الأسفل بالنسبة للنساء، أما من حيث اللباس الأعلى فلا بد أن يكون لها خمار، أو ما يشبهه أو يقوم مقامه من لباس يغطي جميع الرأس، وجميع الرقبة، وفتحة الثوب على الصدر، وأن يكون هذا معداً للخروج إلى الأسواق، أو السير في الطريق العام، أي لباس الحياة العامة من أعلى، فإذا كان لها هذان اللباسان جاز لها أن تخرج من بيتها إلى الأسواق أو أن تسير في الطريق العام، أي إلى الحياة العامة، فإن لم يكن لها هذان اللباسان لا يصح أن تخرج ولا بحال من الأحوال، لأن الأمر بهذين اللباسين جاء عاماً فيبقى عاماً في جميع الحالات لأنه لم يرد له مخصص مطلقاً.

أما الدليل على وجوب هذين اللباسين للحياة العامة فقوله تعالى في اللباس من أعلى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} وقوله تعالى في اللباس الأسفل: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ} وما روي عن أم عطية أنها قالت: «أمرنا رسول الله أن نخرجهن في الفطر والأضحى، العواتق والحيّض وذوات الخدور، فأما الحيّض فيعتزلن الصلاة ويشهدن الخير، ودعوة المسلمين. قلت يا رسول الله إحدانا لا يكون لها جلباب، قال: لتلبسها أختها من جلبابها» أخرجه مسلم،فهذه الأدلة صريحة في الدلالة على لباس المرأة في الحياة العامة. فالله تعالى قد وصف في هاتين الآيتين هذا اللباس الذي أوجب على المرأة أن تلبسه في الحياة العامة وصفاً دقيقاً كاملاً شاملاً، فقال بالنسبة للباس النساء من أعلى: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ }أي ليلوين أغطية رؤوسهن على أعناقهن وصدورهن، ليخفين ما يظهر من طوق القميص وطوق الثوب من العنق والصدر. وقال بالنسبة للباس النساء من الأسفل: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ }أي يرخين عليهن أثوابهن التي يلبسنها فوق الثياب للخروج، من ملاءة وملحفة يرخينها إلى أسفل، وقال في الكيفية العامة التي يكون عليها هذا اللباس: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا }أي لا يظهرن مما هو محل الزينة من أعضائهن كالأذنين والذراعين والساقين وغير ذلك إلا ما كان يظهر في الحياة العامة عند نزول هذه الآية أي في عصر الرسول، وهو الوجه والكفان. وبهذا الوصف الدقيق يتضح بأجلى بيان ما هو لباس المرأة في الحياة العامة وما يجب أن يكون عليه، وجاء حديث أم عطية فبين بصراحة وجوب أن يكون لها ثوب تلبسه فوق ثيابها حين الخروج، حيث قالت للرسول عليه السلام: «إحدانا لا يكون لها جلباب» فقال لها الرسول عليه السلام: «لتلبسها أختها من جلبابها» أي حين قالت للرسول: إذا كان ليس لها ثوب تلبسه فوق ثيابها لتخرج فيها، فإنه عليه السلام أمر أن تعيرها أختها من ثيابها التي تلبس فوق الثياب، ومعناه أنه إذا لم تعرها فإنه لا يصح لها أن تخرج، وهذا قرينة على أن الأمر في هذا الحديث للوجوب، أي يجب أن تلبس المرأة جلباباً فوق ثيابها إذا أرادت الخروج، وإن لم تلبس ذلك لا تخرج.

ويشترط في الجلباب أن يكون مرخياً إلى أسفل حتى يغطي القدمين، لأن الله يقول في الآية: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ }أي يرخين جلابيبهن لأن {من} هنا ليست للتبعيض بل للبيان، أي يرخين الملاءة والملحفة إلى أسفل، ولأنه روي عن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله : «من جرَّ ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة، فقالت أم سلمة: فكيف يصنع النساء بذيولهن؟ قال: يرخين شبراً، قالت؟ إذن ينكشف أقدامهن. قال: يرخين ذراعاً لا يزدن» أخرجه الترمذي، فهذا صريح بأن الثوب الذي تلبسه فوق الثياب -أي الملاءة أو الملحفة- أن يرخى إلى أسفل حتى يستر القدمين، فإن كانت القدمان مستورتين بجوارب أو حذاء فإن ذلك لا يُغني عن إرخائه إلى أسفل بشكل يدل على وجود الإرخاء، ولا ضرورة لأن يغطي القدمين فهما مستورتان، ولكن لا بد أن يكون هناك إرخاء أي يكون الجلباب نازلاً إلى أسفل بشكل ظاهر يعرف منه أنه ثوب الحياة العامة التي يجب أن تلبسه المرأة في الحياة العامة، ويظهر فيه الإرخاء أي يتحقق فيه قوله تعالى: يُدْنِينَ أي يرخين.

ومن هذا يتبين أنه يجب أن يكون للمرأة ثوب واسع تلبسه فوق ثيابها لتخرج فيه، فإن لم يكن لها ثوب وأرادت أن تخرج فعلى أختها، أي أيّة مسلمة كانت أن تعيرها من ثيابها التي تلبس فوق الثياب، فإن لم تجد من يعيرها فلا تخرج حتى تجد ثوباً تلبسه فوق ثيابها، فإن خرجت في ثيابها دون أن تلبس ثوباً واسعاً مرخياً إلى أسفل ثوبها فإنها تأثم ولو كانت ساترة جميع العورة، لأن الثوب الواسع المرخي إلى أسفل حتى القدمين فرض، فتكون قد خالفت الفرض، فتأثم عند الله وتعاقب من قبل الدولة عقوبة التعزير.

بقيت مسألتان من مسائل نظر المرأة للرجل والرجل للمرأة إحداهما مسألة وجود الرجال الأجانب في البيوت بإذن أهلها، ونظرهم إلى النساء في ثياب التبذل، وإبصارهم من أعضاء المرأة ما يزيد على الوجه والكفين. والثانية مسألة وجود النساء غير المسلمات وحتى بعض المسلمات في شوارع المدن وطرقاتها، وهن يبدين من أعضائهن أكثر من الوجه والكفين. وهاتان المسألتان واقعتان، وواقع بلاؤهما على جميع المسلمين، فلا بد من بيان حكم الشرع فيهما.

أما المسألة الأولى فهي أن هناك أخوة أو أقارب يسكنون مع بعضهم في منزل واحد، وتظهر نساء كل منهم للآخرين في ثياب التبذل، فيبدو شعرها، ورقبتها، وذراعاها، وساقاها، وما شاكل ذلك مما تظهره ثياب البذلة. فينظر إليها إخوة زوجها أو أقاربه غير المحارم كما ينظر إليها أخوها وأبوها وغيرهما من المحارم، مع أن أخا زوجها أجنبي عنها كأي أجنبي. وكذلك قد يزور الأقارب بعضهم، كأولاد العم وأولاد الخال ومن شاكلهم من الأرحام غير المحارم، أو من غير الأرحام، فيسلمون على النساء، ويجلسون معهن، وهن في ثياب البذلة. ويبدو منهن أكثر من الوجه والكفين، من شعر، ورقبة، وذراع، وساق، وغير ذلك. فيعاملون معاملة المحارم. وهذه المسألة شائعة وقد بلي بها أكثر المسلمين ولا سيما في المدن، فيظن الكثيرون أن ذلك مباح. والحقيقة أن المباح من ذلك إنما هو النظر من قبل المحارم والتابعين غير أولي الإربة، أما ما عدا هؤلاء فيحرم على النساء أن يكشفن لهم ما عدا الوجه والكفين، وتفصيل ذلك أن الله تعالى حرم المرأة على الإطلاق لنظر أو لذة، ثم استثنى اللذة للأزواج، ثم استثنى الزينة أي النظر لاثني عشر شخصاً يدخل معهم من هو مثلهم كالأعمام والأخوال، ثم استثنى من المرأة الوجه والكفين لجميع الرجال، فاللذة أي النظر بشهوة حرام مطلقاً إلا على الزوج، والنظر للوجه والكفين بوصفه مجرد نظر (أي دون شهوة) مباح مطلقاً، والنظر لما يزيد عن الوجه والكفين حرام مطلقاً إلا على المحارم الذين ذكرهم الله ومن هو مثلهم.

وسبق أن تم بيان حكم الشرع في الحياة العامة كما جاءت به النصوص. أما الحياة الخاصة فقد أباح الشارع للمرأة أن تبدي فيها ما يزيد عن الوجه والكفين مما يظهر عند المهنة، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ 4} فالله تعالى أمر الصبيان الذين لم يبلغوا الحلم والعبيد بعدم الدخول على المرأة في هذه المرات الثلاث، ثم أباح لهم أن يدخلوا في غير هذه المرات الثلاث، إذ عقّب على ذلك بقوله: {عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ } وهذا صريح بأنه في غير هذه الحالات الثلاث يدخل الصبيان وعبيد النساء على النساء بغير استئذان أي وهن في ثياب المهنة، فيفهم منه أن للمرأة في بيتها أن تعيش في ثياب المهنة، وأن تظهر في هذه الثياب على الصبيان وعلى عبيدها. وعلى ذلك يجوز للمرأة أن تعيش في بيتها في ثياب المهنة ما في ذلك شك. ولا تكون آثمة في ذلك مطلقاً، ويجوز أن يراها على هذه الحال الصبيان وعبيدها ولا شيء عليها في ذلك، ولا تتستر منهم ولا يحتاجون إلى إذن بالدخول لأن الآية نصت على دخول الصبيان والعبيد دون استئذان إلا في العورات الثلاث. ولا يقال إن الخدم الأحرار يقاسون على العبيد بعلة أنهم طوافون، لا يقال ذلك لأن هذه العلة هي علة قاصرة بدلالة أن الصبيان إذا بلغوا فعليهم الاستئذان مع أنهم من الطوافين.

أما غير من استثناهم الله في ذلك أي غير الصبيان والعبيد فإن الله قد بين حكمهم في الحياة الخاصة، إذ طلب منهم الاستئذان، قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا } فطلب من المسلم الاستئذان وأطلق عليه كلمة استئناس إذا أراد الدخول إلى غير بيته، ومفهومه أنه إذا أراد الدخول إلى بيته فلا يستأذن. وسبب نزول هذه الآية أن امرأة من الأنصار قالت: يا رسول الله إني أكون في بيتي على حال لا أحب أن يراني عليها أحد لا والد ولا ولد فيأتي الأب فيدخل عليّ. وإنه لا يزال يدخل عليّ رجل من أهلي وأنا على تلك الحال فكيف أصنع، فنزلت آية الاستئذان. فإذا قرن سبب النزول هذا بمنطوق الآية ومفهومها فإنه يدل على أن المسألة في الحياة الخاصة ليست مسألة ستر عورة وعدم ستر عورة. وإنما هي مسألة حالة التبذل التي عليها المرأة. في هذه الحالة، حالة التبذل لم يأمر المرأة بعدم التبذل، وإنما أمر الرجال بالاستئذان، لتتمكن المرأة من ستر ما عدا الوجه والكفين على غير محارمها لأن طلب الاستئذان يشعر بطلب الستر بدليل سبب نزول الآية فإن دخل عليها أحد لا بد من أن يستأذن سواء أكان محرماً أم غير محرم، فطلب الاستئذان يشعر بأن تستتر من غير المحارم.

أما نظر الرجل إلى المرأة في هذه الحالة فهو شيء آخر يتعلق بالنظر سواء أكان في الحياة الخاصة أم في غيرها والله تعالى حرّم على غير المحارم النظر إلى غير الوجه والكفين وأجاز ذلك للمحارم وأمر بغض البصر عما يزيد عن الوجه والكفين وعفا عن النظر الذي لا يملأ العين، أما تحريم النظر بما يزيد عن الوجه والكفين فظاهر، وأما غض البصر عما يزيد فواضح في قوله تعالى: { قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ }. والمراد هنا الغض عما يزيد عن الوجه والكفين بدليل إباحة النظر إليهما. وفي البخاري قال سعيد بن أبي الحسن للحسن إن نساء العجم يكشفن صدورهن ورؤوسهن قال: «اصرف بصرك» وفي حديث النهي عن الجلوس في الطرقات قال: «غض البصر» متفق عليه،أي أن النساء في الطريق قد يكن كاشفات لما يزيد عن الوجه والكفين فعليكم غض البصر وليس عدم النظر، فالله تعالى حين حرّم النظر إنما حرمه لما يزيد عن الوجه والكفين، وعينه بأنه النظر المقصود، وأما النظر غير المقصود فلم يحرمه، ولم يأمر بتركه وإنما أمر بغض البصر فقال: {يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ } وكلمة (من) للتبعيض، أي يغضوا بعض أبصارهم أي بعض النظر، ومفهومه جواز النظر المغضوض وهو النظرة العادية غير المقصودة.

وأما المسألة الثانية فهي أنه منذ غزتنا الحضارة الغربية، وحكمت بلاد المسلمين بأنظمة الكفر صارت النساء غير المسلمات يخرجن شبه عاريات: مكشوفات الصدور والظهور، والشعر، والأذرع والسيقان. وصارت بعض نساء المسلمين يقلدنهن فيخرجن إلى السوق على هذا الوجه، حتى صار المرء لا يستطيع أن يميز المرأة المسلمة من غير المسلمة وهي ماشية في السوق، أو واقفة في حانوت تساوم على الشراء. والرجال المسلمون الذين يعيشون في هذه المدن لا يملكون بمفردهم الآن أن يزيلوا هذا المنكر، ولا يستطيعون العيش في هذه المدن دون أن يروا هذه العورات. لأن طبيعة الحياة التي يعيشونها، وشكل الأبنية التي يسكنونها، تحتم وجود الرؤية من قبل الرجل لعورة المرأة، ولا يمكن أن يحترز أي رجل من رؤية عورات النساء، مهما حاول عدم النظر، إلا في حال جلوسه في بيته وعدم خروجه منه. وهذا لا يتأتى له مطلقاً. إذ هو في حاجة لإقامة علاقات مع الناس في البيع والشراء، والإجارة والعمل، وغير ذلك مما هو ضروري لحياته. ولا يستطيع أن يقوم بذلك في حرز عن النظر إلى هذه العورات. وتحريم النظر إليها صريح في الكتاب والسنّة فماذا يفعل؟ والخروج من هذه المشكلة إنما يكون في وضعين:

  • أحدهما نظر الفجاءة وهو ما يشاهده في الطريق وهذا يعفى فيه عن النظرة الأولى وعليه أن لا يكرر النظرة الثانية، لما روي عن جرير بن عبد الله قال: «سألت رسول الله عن نظرة الفجاءة فأمرني أن أصرف بصري» أخرجه مسلم. وعن علي رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله : «لا تتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى وليست لك الآخرة» أخرجه أحمد من طريق بريدة.
  • وأما الوضع الثاني وهو التحدث إلى هذه المرأة الكاشفة لرأسها وذراعيها وما جرت عادتها من كشفه، فهذه يجب تحويل البصر عنها، وغضّه عن النظر إليها، لما رواه البخاري عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: «كان الفضل رديف رسول الله فجاءت امرأة من خثعم فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه وجعل النبي يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر». وقال الله تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ 4} والمراد بغضّ البصر خفضه. فعلاج هذه المشكلة هو غض البصر من قبل الرجل، مع مداومته لعمله الذي يقوم به من حديث ضروري معها، أو ركوب في سيارة، أو جلوس على شرفة لشدة الحر، أو ما شاكل ذلك. فإن هذه الحاجات من ضرورات الحياة العامة للرجل، ولا يستغني عنها ولا يملك دفع هذا البلاء من كشف العورات، فعليه غض البصر عملاً بنص الآية، ولا يحل له غير ذلك مطلقاً.

ولا يقال هنا: إن هذا مما عمت به البلوى، ويصعب الاحتراز عنه. فإن هذه القاعدة مناقضة للشرع، فالحرام لا يصبح حلالاً إذا عمت به البلوى، والحلال لا يصبح حراماً إذا عمت به البلوى. ولا يقال هؤلاء نساء كافرات فيعاملن معاملة الإماء، فعورتهن عورة الأَمَة، لا يقال ذلك لأن الحديث عام بالمرأة، ولم يقل المرأة المسلمة، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الجارية إذا حاضت لم يصلح أن يُرى منها إلا وجهها ويداها إلى المفصل» وهو صريح في حرمة النظر إلى المرأة، مسلمة كانت أو غير مسلمة، وهو عام في جميع الحالات، ومنها هذه الحالة. ولا تقاس المرأة الكافرة على الأَمَة لأنه لا وجه للقياس.

وعليه يجب على من يزورون بيوتاً غير بيوتهم وفيها نساء غير محارم، عليهم أن يغضوا أبصارهم عن النظر إلى ما يزيد عن الوجه والكفين، ويجب على من يعيشون في المدن، ويضطرون إلى خوض المجتمع أو معاملة النساء الكافرات الكاشفات لعوراتهن، بالشراء منهن، أو الحديث معهن، أو الاستئجار منهن، أو تأجيرهن، أو بيعهن، أو غير ذلك، أن يغضوا أبصارهم أثناء ذلك، وأن يقتصروا على القدر الذي يحتاجونه مما يضطرون إليه

صورة منتخبة

 

جولة مع أقسام الدستور