https://www.facebook.com/khilafah.net

دولة الخلافة. هي الفرض والوعد، هي البشرى والمجد

تطبيق الدستاور / أنظمة أندرويد

كيف هُدمَت الخلافة؟ فلتكن بانيها!

وجاء دور مصطفى كمال

وقد بقي مصطفى كمال لا يقوم بأي عمل سوى بث الأفكار وجمع الأنصار حتى شهر أيار سنة 1919 حيث جاء دوره، وحيث بدأ الحلفاء يعملون بأسلوب آخر للوصول إلى غايتهم: فصل تركيا عن باقي أجزاء الدولة العثمانية، وهدم الخلافة، وإقامة جمهورية تركية، بعد أن أخفقت مساعيهم في الأزمات السياسية، وفي إيصال رجالهم إلى الحكم عن طريق الشرعية، وبشكل قانوني. وكانت الأعمال التي يقومون بها أعمالاً سياسية، وأعمالاً دولية، وأعمالاً ثورية.

 

وحملهم على ذلك تحرك إيطاليا لاحتلال أزمير، وإصرار فرنسا على أخذ (كيليكيا) غنيمة لها، فرأت إنكلترا أنه ما لم تقم بأعمال من تركيا نفسها ضد الحلفاء لا يمكن أن تنفذ خططها في تركيا، وتبعد منافستيها فرنسا وإيطاليا عن مراكزها الاستراتيجية. فإن إيطاليا بعد أن احتلت مدينة أضاليا والأملاك التي تجاورها في نيسان سنة 1919، واحتلت «فيوم» وهي جزء من يوغسلافيا، حاولت الاستيلاء على أزمير باسم الحلفاء، فعارضتها إنجلترا وفرنسا معاً، وصممتا على الوقوف في وجهها، وعدم السماح لها باحتلال أزمير أو الساحل الغربي من الأناضول، حتى بدأتا تعارضان احتلالها لأضاليا بحجة أن ذلك يجعلها سيدة على الجانب الشرقي من البحر المتوسط. وعُدَّت المعاهدة المعقودة بينهم وبين إيطاليا وروسيا والتي تنص على احتلال إيطاليا لأزمير والساحل الغربي باطلة، لأن روسيا انسحبت من الحرب ولم توقعها. ووضعوا خطتهم لجعل اليونان تحتل أزمير.

وساروا بتنفيذ هذه الخطة من جهة، ومن جهة أخرى، وفي نفس الوقت، ادعت إنجلترا أن في الأناضول داخل آسيا الصغرى اضطرابات، وأن أعمال قطاع الطرق والسلب والنهب قد اتسع نطاقها وازداد هولها، وأن فرق الجنود المطلقة تمرح في البلاد طولاً وعرضاً، وأنه لا بد من حفظ النظام، واستتباب الأمن، ووجود يد قوية تضرب العابثين بالأمن. فطلبت إنجلترا من الحكومة في إسطنبول أن ترسل شخصاً قوياً يركن إليه إلى الأقاليم الشرقية ليعيد الأمن إلى نصابه، ويعيد هيبة الحكومة.

وأوعزت بشكل غير رسمي أن يكون هذا الشخص مصطفى كمال. فاستشيرت وزارة الحربية في هذا الموضوع، فأجاب مستشار الحربية الأول جواد باشا بالموافقة، وكان لا يعرف شيئاً عن خطط مصطفى كمال، ولكن وزير الحربية يرتاب في نيات مصطفى، إذ كان يعرف خططه. ومع هذا فقد قبل فوراً وبلغ الخبر إلى مصطفى كمال. فأجاب بأن إجراء التحقيق السريع والأحوال المضطربة في الأقاليم الشرقية، واتخاذ التدابير الضرورية يتطلب حتماً أن تعطى له سلطة واسعة، وان تكون كلمته نافذة. فأجابته الوزارة إلى كل ما طلب.

وكان حتى ذلك الحين لا يزال ساكتاً هادئاً ولا يعرف عنه أي عداء للسلطان ولا للوزارة، إذ كان يجمع الأنصار في منتهى الكتمان. وبلغ من حرصه على أخذ صلاحيات واسعة أنه حين جاءته التعليمات لم يقبلها كما هي، بل نقحها ووضعها على الوجه الذي يحقق الهدف الذي يرمي إليه، ثم عرضها بصيغتها التي وضعها هو بعد التنقيح على رئيس الوزراء الداماد فريد باشا فوقعها من غير تدقيق، ثم قدمها لوزير الحربية فتردد بعض التردد، ثم ذيلها بختمه. وأرسلت نسخ منها إلى المندوب السامي البريطاني، وإلى القائد العام لجيوش الحلفاء هارنتجتون، وإلى ضباط الحلفاء.

ومما ينبغي لفت النظر إليه أن إنجلترا وحدها التي كانت مهتمة كثيراً بمسالة القضاء على القلاقل، أما فرنسا فكانت لا تنتظر قيام قلاقل خطيرة في هذه المملكة المقهورة، ولذلك لم تعرها أية عناية.

وعلى أي حال فبعد أن أخذ مصطفى كمال التعليمات، وحصل على الصلاحيات التي يريدها، سافر إلى الأناضول وترك إسطنبول في الخامس عشر من أيار على الباخرة الصغيرة أنوبلي على أمل الوصول إلى سمسون عن طريق البحر الأسود.

تدابير الإنجليز لاحتلال اليونان أزمير

وفي هذه الأثناء، أي في الأسبوع الثاني من أيار سنة 1919 بُلِّغَت الحكومة العثمانية أن الحلفاء بناء على المادة السابعة من شروط الهدنة سيحتلون أزمير، وأنه طبقاً لهذه المادة لهم الحق أن يفعلوا ذلك حينما تتعرض مصالحهم للخطر. فأعطى رئيس الوزارة الداماد فريد باشا التعليمات لوالي أزمير، وأمره بضرورة بقاء الجيوش في ثكناتها، وأجبره على منع أي مظاهرة يقوم بها سكان تلك المدينة بالقوة.

وفي الرابع عشر من أيار سنة 1919 ظهر في مياه أزمير الأسطول الإنجليزي. وكان القومندان هو الأميرال كالثورب. فَبلَّغَ الوالي بأن جيوش الحلفاء ستنزل إلى البر فليكن على استعداد. ثم أرسل يطلب مقابلة الوالي، فلما جاءه قال له: بلغني الآن أن اليونان هم الذين سينزلون إلى أزمير ويحتلونها، فصعق الوالي وتطلع إلى وجه قائد الأسطول وهو لا يكاد يصدق ما يسمعه، ولم يستطع حبس دموعه، فأخذت تنهمر بشدة وهو يقول بصوت تخنقه العبرات وفيه معنى الذل والانكسار: اليونان!! اليونان هم الذين جاؤوا لاحتلال أزمير؟ فأجابه القائد: هذه هي الأوامر التي جاءتني من باريس. فقال الوالي: إني لست مسؤولاً، وإني لا أستطيع الآن أن أتكهن بما سيجري، فقال له القائد الإنجليزي: مستحيل أن يحتل أزمير غير اليونان، أفهمت؟ فما كان من الوالي إلا أن قال له: لا أريد أكثر من ثلاثمائة جندي من جنودكم لأدخل بهم الاطمئنان إلى قلوب المسلمين، ولأبين لهم بأن الاحتلال من الحلفاء وليس من اليونانيين، وأن هذا الاحتلال مؤقت وليس بالنهائي، فأجابه القائد: مستحيل، وأقفل الحديث.

وفي صبيحة اليوم الخامس عشر من أيار سنة 1919 أي في اليوم نفسه الذي ترك فيه مصطفى كمال إسطنبول موفداً من قبل الإنجليز والحكومة العثمانية لإخماد الاضطرابات في الأقاليم الشرقية، في هذا اليوم بالذات كانت الجنود اليونانية قد بدأت تنزل إلى البر، إلى رصيف اسكلة أزمير. وكان في استقبالهم كل أفراد الجالية اليونانية، وكان هياج اليونانيين لا يوصف، فأخذوا يهتفون هتافات متعددة، وطافت الجيوش اليونانية شوارع أزمير. أما الجيوش التركية فإنها قد أسرعت واختبأت في معسكراتها نزولاً عند الأوامر المشددة التي صدرت إليها من رئيس الوزراء. ولكن الجالية اليونانية والجيش اليوناني كانوا يقومون بمظاهرات الفرح ويطوفون في الشوارع بشكل فيه كل التحدي والاستفزاز. ومع ذلك التزم أهالي أزمير السكينة والتزم الجيش العثماني في أزمير الهدوء.

إلا أنه ما إن وصلت الجيوش اليونانية أمام أبنية الحكومة حتى خرجت طلقة نارية واحدة لا يعلم أحد من أين جاءت، ولكن الشيء المؤكد أنها أطلقت قصداً لإثارة الجيش اليوناني؛ ولذلك ما إن سمع اليونانيون الطلقة حتى وقفوا فجأة، ثم أخذوا يمطرون الجنود العثمانيين وأهالي أزمير وابلاً من الرصاص، ويردون الناس قتلى وجرحى. فأخذ البعض يدافع عن نفسه، وساد الهياج، وعمت الفوضى. وانتهز الجنود اليونانيون هذه الفرصة السانحة فشفوا غليلهم، وأفرغوا حقدهم، وأشفوا نفوسهم العطشى إلى سفك دماء المسلمين، وأخذوا يستفزون الضباط بالبصاق على وجوههم، وأجبروا كل تركي أن يدوس طربوشه بقدمه. ومن يخالف يمزق جسمه بالسيوف فوراً بوحشية هائلة، ثم أخذوا ينزعون الحجاب عن وجوه النساء المسلمات، ومن لا تسفر كان مصيرها القتل فوراً، وأخذوا ينهبون بيوت المسلمين، واستعملوا كل أنواع الإهانة، وجميع أساليب الاستفزاز. ولا شك أن ذلك ليس طبيعياً، وأنه عمل مقصود ومدبر لإتمام خطة مبيتة.

وخلال هذه الأعمال الوحشية والاستفزازات الفظيعة في التاسع عشر من أيار سنة 1919 رست الباخرة أنيبولي في ميناء أزمير بين الأسطول الإنجليزي والبواخر اليونانية، ونزل منها مصطفى كمال ودخل المدينة. وذلك أن مصطفى كمال كان قد ترك إسطنبول في 15 أيار على ظهر الباخرة أنيبولي على أمل الوصول إلى سمسون عن طريق البحر الأسود، ولكنه بدل أن يذهب إلى سمسون ذهب إلى أزمير.

ويبدو أن الوزارة علمت بذلك، ولهذا فإنه في ليلة 16 أيار سنة 1919 أي في منتصف الليلة نفسها التي غادر فيها إسطنبول طلب رئيس الوزارة الداماد فريد باشا أن يقابل ممثلاً للمندوب السامي البريطاني في الحال، وأوضح له أن السلطان قد عدل عن رأيه في إرسال مصطفى إلى الأقاليم الشرقية، فقد جاءته الأنباء بأن مصطفى كمال يعتزم إثارة القلاقل في الأقاليم الداخلية، ومن هنا ينبغي وقفه أثناء رحلته بأي ثمن. فأظهروا له أنه ستصدر الأوامر باعتراض سبيله وإعادته، ولكنهم لم يفعلوا شيئاً، فواصل مصطفى كمال رحلته على ظهر الباخرة إلى أزمير حتى وصلها في 19 أيار في إبان شدة التحدي والاستفزاز من اليونانيين.

وما إن وصل المدينة حتى جمع الولاة وأخبرهم بأنه سيقوم بتدابير ضد اليونان، وأن هذه التدابير قد وافقت عليها السلطة. ثم أخذ يشهر باليونانيين، وصار يجمع القادة من حربيين ومدنيين ويخطب فيهم ليعدوا الناس للمظاهرات القومية. وحذر من التعرض للنصارى، وطلب أن تكون المظاهرات سلمية، ومما قال لهم:

«في يوم الاثنين تكونون قد انتهيتم من تنظيم مظاهرة قومية، بعد عقد اجتماع عظيم يضم أكبر عدد من الأهلين، بعد أن تلقى الخطب النارية التي ينبغي أن يكون الغرض الأساسي منها استفزاز الشعور القومي، وإظهار حيوية الشعب التركي. نريد من مظاهراتنا السلمية أن تحرك حاسة العدالة في الحلفاء، وأن تجعلهم يشعرون بالحيف الذي وقع علينا، وإني على تمام اليقين أن مظاهراتنا القومية السلمية ستدفع نبلاء الإنجليز، وأشراف الغربيين، إلى وضع حد للتدخل المعيب في أدق شؤوننا القومية. ينبغي أن تقوم المظاهرات في كل أنحاء الولاية، وأن ترسل البرقيات المؤثرة للدول العظمى، وللباب العالي، وأحذركم تحذيراً تاماً من السماح لأحد من الغوغاء بالتعرض للنصارى أدنى تعرض. فمظاهراتنا يجب أن تكون قومية سلمية».

أخذ يمطر السلطات ببرقيات شديدة من الأهالي، منها برقية نصها: «البلاد في خطر»، وبرقية أخرى نصها: «الحكومة المركزية لم تعد قادرة على القيام بوظائفها الأساسية» ومنها برقية نصها: «لا يمكن الاحتفاظ باستقلال بلادنا إلا بإرادة الأمة وجهود الأمة»، ومن أشد البرقيات برقية أرسلت إلى إسطنبول من ميناء سينوب الحربية المهمة، أظهر فيها الشعب هياجاً شديداً، ومما جاء فيها: «إن الأمة التركية لا يمكن أن تقدر لها الحياة وفيها حكومة تحركها أوروبا كما تشاء، وتتحكم فيها كما تريد».

المتابعة مع بدء ثورة مصطفى كمال على الخلافة بدعم انجلترا

صورة منتخبة

 

جولة مع أقسام الدستور