https://www.facebook.com/khilafah.net

دولة الخلافة. هي الفرض والوعد، هي البشرى والمجد

تطبيق الدستاور / أنظمة أندرويد

كيف نشأت ؟... فالزم طريقها

الخلافة: كيف تنعقد؟ وبِمَن؟

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

لقد أحدث إعلان (تنظيم الدولة) الخلافةَ في الأول من رمضان المبارك بلبلة لدى أعداد من المسلمين، ولا سيّما أولئك المخلصين الذين يتشوّقون إلى عودة سيادة الشرع المغيَّبة وسلطان الأمّة المسلوب في ظلّ دولة الخلافة الموعودة، ولكنّهم لم يؤتَوا قسطًا وافيًا من العلم بأحكام الخلافة ودار الإسلام والبيعة وشروطها الشرعية، فحاروا أمام الحدث وراحوا يسألون ويبحثون عمّن يجيبهم على أسئلتهم: ما شروط انعقاد الخلافة؟ وما شروط دار الإسلام؟ وهل البيعة التي أعلنها (تنظيم الدولة) بيعة شرعية يجب الانقياد لها؟ وهل في أعناقنا بيعة لمن أُعلن خليفة؟ من هنا وجدنا لزامًا علينا أن نوضح ما سبق أن درسناه من هذه الأحكام وأشبعناه قراءة وتدبُّرًا حتّى تبلور في أذهاننا وثقافتنا، بعد أن مضت عشرات السنين ونحن نعمل لأجل هذه القضية، ونسخّر كل طاقاتنا لإقامتها: استئناف الحياة الإسلامية من طريق إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوّة.

تعريف الخلافة

الخلافة رئاسة عامة للمسلمين في الدنيا لإقامة أحكام الشرع الإسلامي وحمل الدعوة الإسلامية إلى العالم.

إن العناصر الثلاثة المكونة لتعريف الخلافة:

  • الرئاسة العامة،
  • وتطبيق الشرع،
  • وحمل الدعوة إلى العالم.

فالخلافة دولة، وليست مجرد رسم شكلي. والبيعة عليها بيعة لحاكمٍ صاحبِ سلطانٍ كاملٍ في دولة حقيقية، يرعى شؤون الناس الذين هم تحت سلطانه جميعًا، يطبِّق عليهم الشرع كاملًا، وليست بيعةً على إمارةِجماعةٍ من الجماعات، ولا بيعةً على الجهاد أو القتال أو تطبيق الحدود دون سائر أحكام الشرع، من أنظمةِ حكمٍ واقتصاد واجتماع وتعليم وسياسةٍ خارجية وقضاء. ومَن لم يُعدَّ لتطبيق هذه الأنظمة عُدّتَها فهو ليس أهلًا لتولي الحكم، فضلًا عن أن يتولى الخلافة، وهو قد يكون صاحبَ نفوذٍ وقوة، ولكنه ليس صاحبَ سلطانٍ وحكمٍ ورعايةٍ بحالٍ من الأحوال.

الفرق بين السلطان والقوّة

فالحكم والسلطان شيء، والقوة شيء آخر. الحكم أو السلطان في الإسلام هو رعايةُ شؤونِ الناس بأحكام الشرع. وهو غير القوة. فالقوة في الدولة ليست رعايةً لشؤون الناس، ولا تصريفًا لأمورهم. أي ليست هي السلطان. فالسلطان غير القوة، وإن كانت القوةُ لازمةً للدولة، إذ بها ينفِّذ السلطانُ الأحكامَ ويقهر المجرمين والفَسَقةَ ويقمع الخارجين ويصدّ المعتدين، وهي أداة لحماية السلطان وحماية ما يقوم عليه من مفاهيم وأفكار ولحملها إلى الخارج. إلا أنه لا يجوز أن يصبح السلطانُ قوة، لأنه إن تحوَّلَ إلى قوّة فسدت رعايته لشؤون الناس، إذ تصبح مفاهيمُه مفاهيمَ القهرِ والقمع والتسلّط، بدل أن تكون مفاهيمَ رعايةِ شؤون الناس، ويتحوّل إلى الإرهاب والتسلّط والكبت والقهر وسفك الدماء. وشتّان ما بين منطق الرعاية ومنطق القهر والتسلط.

إنّ كثيرًا من المتحمِّسين الذين لا يفرّقون بين السلطان والقوّة ويحسبون أنّ السلطان يتلخّص في القوّة والبأس والقهر والغلبة لطالما أكثروا من الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾. ولو أنّهم أحسنوا قراءة الآية كاملة وتدبّروا ما فيها لأدركوا أنّ القوّة تأتي في مرتبة بعد رعاية شؤون الناس بأحكام الشرع، فالآية كاملةً: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾. فقيام الناس بالقسط بناءً على الكتاب والميزان هو غاية إرسال الرسل عليهم الصلاة والسلام. أما البأس الشديد الذي جعله الله تعالى في الحديد - وهو كناية عن السلاح والقوّة - فالآية واضحة في أنّه لم يُطلب لذاته، وإنّما شرعت أحكام الجهاد وسائر أحكام القتال في الإسلام لأجل غيرها من الأحكام، وهي حماية سيادة الشرع وسلطان المسلمين من المعتدين عليهما وردع المخالفين للشرع وحمل الإسلام رسالة إلى العالم. فالقوّة هي أداة من أدوات السلطان، وليست هي السلطان.

الخلافة دولة ودار إسلام

إذا كانت الخلافة دولةً، والخليفةُ رئيسَ هذه الدولة، فلا بدّ أن تتوفّر فيها مقوِّمات الدولة في الإسلام. وإنّ كلّ قطر من الأقطار الإسلامية الموجودة في العالم الإسلامي اليوم أهلٌ لأن يُبايِع خليفة، وتنعقدَ به الخلافة، شريطة أن تتوفّر فيه شروط دار الإسلام. فإذا بايع قطرٌ ما، من هذه الأقطار الإسلامية التي تتوفّر فيها شروط دار الإسلام، خليفةً تتوفّرُ فيه شروط الخليفة، بيعةً شرعية بالشروط الشرعية، وانعقدت الخلافة له ببيعةِ مَن تنعقد ببيعتهم الخلافة، فإنه يصبح فرضًا على المسلمين في الأقطار الأخرى أن يبايعوه بيعة طاعة، أي بيعة انقياد، بعد أن انعقدت الخلافة له ببيعة أهل قطره. وعليه فإنه لا بد لانعقاد الخلافة من توفُّرِ شروط تتعلق بالدار التي حصلت فيها البيعة، وبالرجل المبايَع، وبالذين أعطوه بيعة الانعقاد.

بلد الخلافة

أمّا ما يتعلّق بالدار „المكان“ التي حصلت فيها البيعة من الشروط:

1- أن يكون سلطان ذلك القطر سلطانًا ذاتيًّا، يستند إلى المسلمين وحدهم، لا إلى دولة كافرة، أو نفوذ كافر. وأن يكون أمان المسلمين في ذلك القطر بأمان الإسلام، لا بأمان الكفر، أي أن تكون حمايته من الداخل والخارج حماية إسلام من قوّة المسلمين، باعتبارها قوّة إسلامية بحتة.

2- أن يُشرع حالًا بتطبيق الإسلام فيها كاملًا تطبيقًا شاملًا.

المرشح الأول لمنصب الخليفة

وأمّا ما يتعلّق منها بالشخص المبايَع „المرشَّح“.

1- أن يكون الشخص الـمُبايَع مستكملًا شروط انعقاد الخلافة، وإن لم يكن مستوفيًا شروط الأفضلية، لأنّ العبرة بشروط الانعقاد.

2- أن يبدأ حالًا بمباشرة تطبيق الإسلام كاملًا تطبيقًا انقلابيًا شاملًا، وأن يكون متلبِّسًا بحمل الدعوة الإسلامية.

المنتخِبون

وأمّا ما يتعلّق بمن أعطَوا بيعة الانعقاد، أي بمن نصّبوا الخليفة: فشرطُهم أن يكونوا جمعًا يتحقَّقُ في نصبهم له رضا المسلمين، بأيّ أمارة مِنْ أمارات التحقق.

فإن استوفت هذه البيعة في ذلك القطر هذه الشروط، فقد وُجدت الخلافة بمبايعة ذلك القطر وحده، وانعقدت به وحده، ولو كان لا يمثّل أكثرَ أهل الحلّ والعقد لأكثر الأُمّة الإسلامية، لأنّ إقامة الخلافة فرض كفاية، والذي يقوم بذلك الفرض على وجهه الصحيح يكون قام بالشيء المفروض.

دار الإسلام

شروط دار الإسلام هي من الشروط التي لا بدّ من توفُّرها في القطر الذي تُعلن فيه الخلافة. ودار الإسلام: „هي الدار التي تطبَّق فيها أحكام الإسلام ويكون أمانها بأمان الإسلام“. فيشترط في دار الإسلام شرطان،

أوّلهما: أن تكون الأحكام المطبّقة فيها هي أحكام الإسلام،

وثانيهما: أن يكون أمانها بأمان المسلمين.

  1. أمّا الدليل على الشرط الأول، فقد روى ابن إسحق أنّه  صلى الله عليه وآله وسلم قال لأصحابه في مكّة: إنّ الله عزّ وجل جعل لكم إخوانًا ودارًا تأمنون بها، وهذه الدار هي دار الهجرة، وفي حديث عائشة عند البخاري أنّ رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم قال: قد أُرِيتُ دارَ هجرتِكم. وبدليل أنّه  صلى الله عليه وآله وسلم لم يهاجر إلى المدينة هو وأصحابه حتّى اطمأنّ إلى وجود الأمان والمنَعة، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: „وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ قَوِيّ عَنْ الشَّعْبِيّ، وَوَصَلَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث أَبِي مُوسَى الْأَنْصَارِيّ قَالَ: „اِنْطَلَقَ رَسُولُ اللَّه  صلى الله عليه وآله وسلم مَعَهُ الْعَبَّاس عَمّه إِلَى السَّبْعِينَ مِنْ الْأَنْصَار عِنْد الْعَقَبَة فَقَالَ لَهُ أَبُو أُمَامَةَ - يَعْنِي أَسْعَد بْن زُرَارَة - سَلْ يَا مُحَمَّد لِرَبِّك وَلِنَفْسِك مَا شِئْت، ثُمَّ أَخْبِرْنَا مَا لَنَا مِنَ الثَّوَاب. قَالَ: أَسْأَلكُمْ لِرَبِّي أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَسْأَلكُمْ لِنَفْسِي وَلِأَصْحَابِي أَنْ تُؤْوُونَا وَتَنْصُرُونَا وَتَمْنَعُونَا مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسكُمْ، قَالُوا: فَمَا لَنَا؟ قَالَ: الْجَنَّة. قَالُوا: ذَلِكَ لَك“. وبدليل ما رواه أحمد عن كعب بن مالك بإسناد صحيح وفيه أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: „أبايعكم على أن تمنعوني ممّا تمنعون منه نساءكم وأبناءكم. قال فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: نعم والذي بعثك بالحقّ لنمنعنَّك ممّا نمنع منه أُزُرَنا، فبايِعنا يا رسول الله، فنحن أهل الحروب وأهل الحلقة ورثناها كابرًا عن كابر“. وفي رواية صحيحة عند أحمد عن جابر أنّه  صلى الله عليه وآله وسلم قال في بيعة العقبة: „...وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدِمتُ عليكم ممّا تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنّة...“. وفي دلائل النبوّة للبيهقي بإسناد جيّد قويّ عن عبادة بن الصامت قال: „وعلى أن ننصر رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم إذا قدم علينا يثرب ممّا نمنع أنفسنا وأزواجنا وأبناءنا ولنا الجنّة...“. وقد كان  صلى الله عليه وآله وسلم يرفض الهجرة إلى أيّ مكان ليس فيه أمان ولا منعة. فحين عرض عليه بنو شيبان الذين تقع ديارهم بين بلاد العرب وبلاد فارس أن ينصروه ممّا يلي مياه العرب دون ما يلي فارس رفض عرضهم، ففي رواية البيهقي بإسناد حسن عن عليّ يروي الحوار بينهم وبين رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم أنّ متحدِّثهم قال له: „فأمّا ما كان من أنهار كسرى فذنب صاحبه غير مغفور وعذره غير مقبول، وأمّا ما كان ممّا يلي مياه العرب فذنب صاحبه مغفور وعذره مقبول، وإنّا إنّما نزلنا على عهدٍ أَخَذَه علينا أن لا نُحدِثَ حدَثًا ولا نؤويَ محدِثًا وإنّي أرى أنّ هذا الأمر الذي تدعونا إليه يا قرشي ممّا يكره الملوك، فإن أحببتَ أن نؤويَكَ وننصرَك ممّا يلي مياه العرب فعلنا“. فقال لهم رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم : „ما أسأتم في الردّ إذ أفصحتم بالصدق، وإنّ دين الله لن ينصرَه إلّا من حاطه من جميع جوانبه“.
  2. وأما دليل الشرط الثاني، فقد روى البخاري عن عبادة بن الصامت قال: „دعانا النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلم فبايعناه، فقال فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشَطِنا ومَكرهِنا، وعُسرِنا ويُسرِنا، وأَثَرَةٍ علينا، وأن لا نُنازعَ الأمرَ أهلَه، إلّا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان“. والسمع والطاعة لرسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم تكون في أمره ونهيه، أي في إجراء الأحكام. وبدليل ما رواه أحمد وابن حبان في صحيحه وأبو عبيد في الأموال عند عبد الله بن عمرو عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: „والهجرة هجرتان هجرة الحاضر والبادي، فأمّا البادي فيطيع إذا أُمر ويُجيب إذا دُعي، وأمّا الحاضر فأعظَمُهُما بَلِيَّة وأعظمُهما أجرًا“. ووجه الاستدلال واضح في قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: „فيطيع إذا أُمرَ ويُجيب إذا دُعي“، لأنّ البادية كانت دار إسلام وإن لم تكن دارَ هجرة. وبدليل حديث واثلة بن الأسقع عند الطبراني، قال الهيثمي بإسناد رجاله ثقات أنّ رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم قال له: „وهجرة البادية أن ترجع إلى باديتك، وعليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك ومكرهك ومنشطك وأَثَرَة عليك...“.

وقد ورد من نصوص السيرة ما يتضمن دلالة على الشرطين معًا. ففي هجرة الرسول  صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة ووصوله إليها، روى أحمد بإسناد صحيح عن أنس قال: „إنّي لأسعى في الغلمان يقولون جاء محمّد، فأسعى فلا أرى شيئًا. ثمّ يقولون: جاء محمّد، فأسعى فلا أرى شيئًا. قال: حتّى جاء رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم وصاحبه أبو بكر، فكنّا في بعض حِرار المدينة، ثمّ بعثا رجلًا من أهل المدينة ليُؤذِن بهما الأنصار، فاستقبلهما زهاء خمسمائة من الأنصار حتّى انتهوا إليهما. فقالت الأنصار: انطلقا آمنَين مطاعَين. فأقبل رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم وصاحبه بين أظهرهم. فخرج أهل المدينة، حتّى إنّ العواتق لَفوقَ البيوت يتراءَينه يَقُلن أيُّهُم هو أيُّهم هو؟“. وفي هذا الحديث دليل على الشرطين معًا الأمان وإجراء الحكم، أمّا الأمان ففي وجود خمسمائة من الأنصار يقولون انطلقا آمنَين، وقد أقرّهم  صلى الله عليه وآله وسلم على قولهم. كما أقرّهم على قولهم مطاعَين. وبذلك توفَّر الأمان والطاعة في دار الهجرة. ولولا توفُّرهما ما هاجر  صلى الله عليه وآله وسلم . وهذان الشرطان، أي توفير الأمان والطاعة في إجراء الأحكام قد بايع عليهما الأنصار في العقبة، روى البيهقي بإسناد قويّ عن عبادة بن الصامت قال: „...إنّا بايعنا رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن نقول في الله لا تأخذنا فيه لومة لائم، وعلى أن ننصر رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم إذا قدم علينا يثرب ممّا نمنع أنفسنا وأزواجنا وأبناءنا ولنا الجنّة. فهذه بيعة رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم التي بايعناه عليه“. فإجراء الحكم واضح في قوله: „بايعنا رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم إذا قدم علينا يثربَ ممّا نمنع أنفسنا وأرواحنا وأبناءنا“.

وقد كان هذا المعنى واضحًا في الكتاب الذي كتبه بين المهاجرين والأنصار ووادع فيه يهودَ وعاهدهم. وكان ذلك في السنة الأولى من الهجرة. وهذا الكتاب من رواية ابن إسحق وسُمِّي الصحيفة. وفيه: „بسم الله الرحمن الرحيم: هذا كتاب من محمّد النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلم بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم ولحق بهم وجاهد معهم أنّهم أمّة واحدة من دون الناس... وإنّ المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس... وإنّ على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وإنّ بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة... وإنّه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يُـخاف فسادُه، فإنّ مردَّه إلى الله عزّ وجلّ وإلى محمّد رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم ....“.

ومما يشهد لهذا التعريف لدار الإسلام والشروط التي أوردناها قول الله تعالى: ﴿الذِينَ إِن مَكَّنَّاهُم فِي الأَرضِ أَقَامُوا الصَلَاةَ وَآتَوُا الزَكَاةَ وَأَمَرُوا بِالمَعرُوفِ وَنَهَوا عَنِ المُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُور﴾. قال أمير المؤمنين عثمان بن عفّان رضي الله عنه: „فينا نزلت، فأُخرِجنا من ديارنا بغير حق، إلا أن قلنا ربنا الله، ثم مُكِّنّا في الأرض، فأقمنا الصلاة، وآتينا الزكاة، وأمرنا بالمعروف، ونهينا عن المنكر، ولله عاقبة الأمور“.

إعلان (تنيظم الدولة)

هذا هو واقع دار الإسلام وتعريفه وشروطه، وهذه الأدلّة التي أسلفناها هي الأدلّة عليه. فهل تنطبق شروط دار الإسلام على الواقع الذي أَعلن فيه (تنظيم الدولة) البيعةَ والخلافة؟

  • 1) من حيث السلطان والأمان

بالنظر إلى واقع هذا التنظيم نرى أنّه لا سلطان له على سوريا ولا على العراق، وأنّه لم يحقّق الأمن والأمان في الداخل، ولا في الخارج، حتّى إنّ الذي بايعوه خليفة لا يستطيع استقبال الوفود لإعطائه البيعة، بل بقي حاله مختفيًا كحاله قبل إعلان الدولة! وهذا مخالف لما كان عليه رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم ، فقد جاز له صلوات الله وسلامه عليه قبل الدولة أن يختفي في غار ثور، ولكنّه  صلى الله عليه وآله وسلم بعد الدولة كان يرعى الشؤون، ويقود الجيش، ويقضي بين الخصوم، ويرسل الرسل، ويستقبلهم علنًا دون خفاء، فقبل الدولة يختلف عمّا بعدها... وهكذا فإعلان التنظيم للخلافة هو لغو لا مضمون له، فهو كالذين سبقوه في إعلان الخلافة دون حقائق على الأرض ولا مقوِّمات، بل لإشباع شيء في أنفسهم، فذاك الذي أعلن نفسه خليفة، وذاك الذي أعلن أنّه المهدي... دون مقوِّمات ولا سلطان ولا أمن ولا أمان!...

  • 2) من حيث انعقاد الخلافة

الخلافة عقد مراضاة واختيار، لأنّها بيعة بالطاعة لمن له حقُّ الطاعة من ولاية الأمر. فلا بدّ فيها من رضا مَن يُبَايَع ليتولّاها، ورضا الـمُباِيعين له. ولذلك إذا رفض أحد أن يكون خليفة وامتنع من الخلافة لا يجوز إكراهه عليها، فلا يُجبَر على قبولها، بل يُعدَل عنه إلى غيره. وكذلك لا يجوز أخذ البيعة من الناس بالإجبار والإكراه، لأنّه حينئذٍ لا يصحّ اعتبار العقد فيها صحيحًا، لمنافاة الإجبار لها، لأنّها عقد مراضاة واختيار، لا يدخله إكراه ولا إجبار كأيّ عقد من العقود. إلّا أنّه إذا تمّ عقد البيعة مِمَّن يُعتدّ ببيعتهم فقد انعقدت البيعة، وأصبح المبايَع هو وليّ الأمر، فوجبت طاعته. وتصبح البيعة له بعد ذلك من بقيّة الناس بيعة على الطاعة، وليست بيعة لعقد الخلافة. وحينئذٍ يجوز له أن يجبر الناس الباقين على بيعته، لأنّها إجبار على طاعته، وطاعته واجبة شرعًا على الناس. وعلى ذلك فالبيعة ابتداءً عقدٌ لا تصحّ إلّا بالرضا والاختيار. أمّا بعد انعقاد البيعة للخليفة فتصبح طاعة، أي انقيادًا لأمر الخليفة، ويجوز فيها الإجبار تنفيذًا لأمر الله تعالى. ولـمّا كانت الخلافة عقدًا فإنّها لا تتمّ إلا بعاقد، كالقضاء، فلا يكون المرء قاضيًا إلّا إذا ولاّه أحد القضاء. وكالإمارة، لا يكون أحد أميرًا إلّا إذا ولاّه أحد الإمارة. وكذلك الخلافة، لا يكون أحد خليفة إلّا إذا وُلّي الخلافة. ومن هنا يتبيّن أنّه لا يكون أحد خليفة إلّا إذا ولّاه المسلمون، ولا يملك صلاحيات الخلافة إلّا إذا تمّ عقدها له، ولا يتمّ هذا العقد إلّا من عاقدَيْن، أحدُهما طالِبُ الخلافة أو المطلوبُ لها، والثاني المسلمون الذين رضوا به أن يكون خليفة لهم. ولهذا كان لا بدّ لانعقاد الخلافة من بيعة المسلمين.

  • 3) من حيث المبايِعون „مَنْ تنعقد ببيعتهم الخلافة“

إنّ الشارع قد جعل السلطان للأُمّة، وجعل نصب الخليفة للمسلمين عامّة، ولم يجعله لفئة دون فئة، ولا لجماعة دون جماعة، فالبيعة فرض على المسلمين عامّة: قال عليه الصلاة والسلام: „...مَنْ مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية“ رواه مسلم، وهذا عامّ لكلّ مسلم. إلّا أنّه ليس شرطًا أن يباشر جميع المسلمين هذا الحقّ، لأنّه حقّ لهم، وهو وإن كان فرضًا عليهم، لأنّ البيعة فرض، ولكنّه فرض على الكفاية، وليس فرض عين، فإذا أقامه البعض سقط عن الباقين. وليست المسألة قيام جميع المسلمين بهذا الفرض بالفعل. لأن الفرض الذي فرضه الله هو أن يَـجري نصبُ الخليفة من المسلمين برضاهم، لا أن يُـجريَه جميعُ المسلمين. إلا أنّه لا يتمّ نصب الخليفة إلّا إذا قام بنصبه جماعة يتحقّق في نصبهم له رضا جمهرة المسلمين، أي أكثريّتهم، مهما كان عدد هذه الجماعة. ومن هنا جاء قول بعض الفقهاء: يَـجري نصبُ الخليفة ببيعة أهل الحلّ والعقد له. إذ يَرَون أهلَ الحلّ والعقد الجماعةَ التي يتحقّق رضا المسلمين بما تقومُ به من بيعةِ أيّ رجل حائز على شروط انعقاد الخلافة. فبيعة أهل الحلّ والعقد أَمارة مِنَ الأَمارات الدالّة على تحقُّق رضا المسلمين بهذه البيعة، لأنّ أهل الحلّ والعقد كانوا يُعَدّون الممثّلين للمسلمين. وكلّ أَمارة تدلُّ على تحقُّق رضا المسلمين ببيعة خليفة، يتمُّ بها نَصبُ الخليفة ويكون نصبُه بها نصبًا شرعيًّا. ويتضح الأمر في بيعة الخلفاء الراشدين، وما أجمع عليه الصحابة. ففي بيعة أبي بكر رضي الله عنه اكتُفِيَ بأهل الحَلّ والعقد من المسلمين الذين كانوا في المدينة وحدها، ولم يؤخذ رأي المسلمين في مكّة وفي سائر جزيرة العرب، بل لم يُسألوا. وكذلك الحال في بيعة عمر رضي الله عنه. أمّا في بيعة عثمان رضي الله عنه فإنّ عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أخذ رأي المسلمين في المدينة، ولم يقتصر على سؤال أهل الحَلّ والعقد. وفي عهد عليّ رضي الله عنه اكتُفِيَ ببيعة أكثر أهل المدينة وأهل الكوفة، وأُفرِدَ هو بالبيعة.

وعلى ذلك فالحكم الشرعي هو أن يقوم بنصب الخليفة جمعٌ يَتحقَّقُ في نصبهم له رضا المسلمين، بأيّ أمارة مِنْ أمارات التحقُّق، سواء أكان ذلك بكون المبايعين أكثر أهل الحلّ والعقد، أم بكونهم أكثر الممثِّلين للمسلمين، أم كان بسكوت المسلمين عن بيعتهم له، أم مسارعتهم بالطاعة بناء على هذه البيعة، أم بأيّ وسيلة من الوسائل، ما دام متوفرًا لهم التمكين التامّ من إبداء رأيهم. فالحكم الشرعي كون بيعتهم يتحقَّق فيها الرضا مِنْ قِبَل جمهرة المسلمين، بأيّة أمارة مِن الأمارات، مع تمكينهم مِنْ إبداء رأيهم تمكينًا تامًّا.

والمراد بجميع المسلمين أو جمهرتهم المسلمون الذين يعيشون في البلاد الخاضعة للدولة الإسلامية، أو القطر الذي قامت فيه الخلافة ابتداء. أمّا غيرهم من المسلمين فلا تُشترط بيعتهم، ولا يشترط رضاهم. لأنّهم إمّا أن يكونوا خارجين على سلطان الإسلام، أو أن يكونوا يعيشون في دار كفر ولا يتمكّنون من الانضمام إلى دار الإسلام. وكلاهما لا حقَّ له في بيعة الانعقاد، وإنّما عليه بيعة الطاعة، لأنّ القسم الأوّل - أي الخارجين على سلطان الإسلام - فحكمهم حكم البغاة. ولأنّ القسم الثاني - أي الذين في دار الكفر ولا يتمكّنون من الانضمام إلى دار الإسلام - لا يتحقَّق بهم قيام سلطان الإسلام، حتّى يقيموه بالفعل، أو يدخلوا فيه. وعلى ذلك فالمسلمون الذين لهم حقّ بيعة الانعقاد ويُشترط تحقُّق رضاهم حتّى يكون نصب الخليفة نصبًا شرعيًا، هم الذين يقوم بهم سلطان الإسلام بالفعل.

قوْل!

ولقائل أن يقول: هذا إذا كان هنالك خليفة مات أو عزل في وجود دولة الخلافة، ويُراد إيجاد خليفة مكانه. أمّا إذا لم يكن هنالك خليفة مطلقًا ولا دار إسلام، وأصبح فرضًا على المسلمين أن يقيموا خليفة لهم، لتنفيذ أحكام الشرع، وحمل الدعوة الإسلامية إلى العالم، كما هي الحال منذ زوال الخلافة الإسلامية في اسطنبول سنة 1342 هجرية الموافق سنة 1924 ميلادية، فإنّ إقامة الخلافة فرض كفاية، والذي يقوم بذلك الفرض على وجهه الصحيح يكون قام بالشيء المفروض. ولأن اشتراط أكثر أهل الحلّ والعقد إنّما يكون إذا كانت هنالك خلافة موجودة، يُراد إيجاد خليفة فيها مكان الخليفة المتوفَّى أو المعزول. أمّا إذا لم تكن هنالك خلافة مطلقًا، ويُراد إيجاد خلافة، فإنّه بمجرّد وجودها على الوجه الشرعي، تنعقد الخلافة بأيّ خليفة يستكمل شروط الانعقاد، مهما كان عدد المبايعين الذين بايعوه.

فنقول هذا الكلام صحيح، ونحن نقول به. إلّا أنّ هذا لا يعني إسقاط كافّة الشروط المعتبرة في طرفي العقد، أي المبايِع والمبايَع. فالشخص المبايَع لا بدّ أن تتوفّر فيه شروط الانعقاد حتمًا، ولا يُسقطها أيُّ ظرف من الظروف. ومن هذه الشروط أن يكون عدلًا بشهادة العدول. وكذلك من أعطَوه البيعة، لا بدّ أن تتوفّر فيهم الشروط التي تجعل بيعتهم بيعة انعقاد شرعية. وبيعة الانعقاد إنّما تكون من الناس في البلد الذي أُعلنت فيه الخلافة بيعة انعقاد بالرضا والاختيار، وليس بالإكراه والإجبار، وبشروط البيعة الشرعية. ولا تكون بيعة الانعقاد من المجموعة التابعة أصلًا للشخص المبايَع. فمن يُعطُون البيعة يجب أن يتوفَّر فيهم شرط النيابة والتعبير عن غالبية المسلمين الذين يعيشون في القطر الذي بويع فيه، لأن السلطان في الأصل هو للأمّة، فإن مُنح هذا السلطان لشخص من طريق بيعة أشخاصٍ لا يمثّلون المسلمين ولا ينقاد المسلمون لهم ولا لبيعتهم فإنّ هذه البيعة باطلة ولا تنعقد بها خلافة البتّة. ودليل ذلك بيعة أهل المدينة، دار الإسلام الأولى، للنبيّ  صلى الله عليه وآله وسلم . فعلى الرغم من أنّه  صلى الله عليه وآله وسلم رسولُ الله، وأنّ طاعته واجبة على المسلمين مطلقًا، بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، وغيرهما الكثير من الآيات التي تأمر بطاعته  صلى الله عليه وآله وسلم ، على الرغم من ذلك كان عليه الصلاة والسلام حريصًا على أخذ البيعة على الحكم - وهي بيعة العقبة الثانية - من أهل المدينة الذين سمّاهم الله تعالى الأنصار. وقد مرّت معنا النصوص في هذه البيعة من قبل. وكلُّ تلك النصوص تشير إلى أنّ الرسول  صلى الله عليه وآله وسلم لم يطلب البيعة من المهاجرين الذين جعلهم الله تعالى أُولي الفضل على سائر المسلمين إلى يوم القيامة، وإنّما طلبها من أهل المدينة الذين آوَوا ونصروا، لأنّهم هم أهل الدار التي قامت فيها الدولة الإسلامية. وكان بإمكان الرسول  صلى الله عليه وآله وسلم أن يستغني عن هذه البيعة بأمر الله تعالى المؤمنين بطاعته  صلى الله عليه وآله وسلم ، أو بأن يأخذ البيعة من صحبه المهاجرين قبل الهجرة أو عندها أو بعدها. ولو كانت بيعة الانعقاد تتمّ ببيعة أيّ مجموعة من الناس لاكتفى الرسول  صلى الله عليه وآله وسلم بأخذها من الأوَّلين الذين آمنوا بدعوته واتّبعوه منذ بداية بعثته، ومن ثَمَّ لألزم الأنصار من أهل المدينة الذين آووا ونصروا بيعةَ الطاعة. ولكنّه لم يفعل  صلى الله عليه وآله وسلم .

وعليه فإنّ الشخص الذي أَعلنه (تنظيم الدولة) خليفةً للمسلمين بمجرّد بيعةِ مجموعةٍ من أتباعه الذين لا يعرفهم الناس ولا يعبِّر أحدٌ منهم عن إرادة المسلمين، ليس بخليفة في حال من الأحوال، وبيعته باطلة ولا يتوفّر فيها شيء من الشروط الشرعية، فلا قيمة لها.

حكم المتسلِّط

وعلى هذا فإنّه إذا قام متسلِّط واستولى على الحكم بالقوّة فإنّه لا يصبح بذلك خليفة، ولو أعلن نفسه خليفة للمسلمين، لأنّه لم تنعقد له خلافة من قِبَل المسلمين. وإن أخذ البيعة من الناس بالإكراه والإجبار لا يصبح خليفة ولو بُويع، لأنّ البيعة بالإكراه والإجبار لا تُعتبر ولا تنعقد بها الخلافة، لأنّها عقد مراضاة واختيار لا يتمّ بالإكراه والإجبار، فلا تنعقد إلا بالبيعة عن رضا واختيار. وبهذا المعنى القول الشهير لأمير المؤمنين عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: „من بايع رجلًا من غير مشورة من المسلمين فلا يُتابع هو ولا الذي بايعه تَغِرَّة أن يقتلا“. متفق عليه.

أمّا موضوع السلطان المتغلِّب الذي ورد في بعض كتب الفقه، فيجب إدراك معناه، وليس فقط تكرار اللفظ „السلطان المتغلِّب“ دون أن يُدرك متى وكيف يمكن أن تقوم شرعًا به قائمة، ومتى وكيف لا تقوم به شرعًا أيّة قائمة، بل يكون وبالًا على أهله!

إنّ السلطان المتغلِّب يكون آثماً على سفك دماء المسلمين والتسلُّط عليهم بالقهر والجبر والإكراه، ولا تقوم به خلافة شرعًا لمخالفته الطريقة الشرعية في نصب الخليفة... غير أنّ من الفقهاء من يرى أنّ هذا السلطان المتغلِّب يصبح حكمه مشروعًا إذا تحقّقت له شروط أبرزها:

  • أ- يتغلّب في بلد له مقوِّمات الدولة حسب المنطقة حوله، فيكون له السلطان المستقرّ فيها ويكون له فيها حفظ أمن البلد داخليًّا وخارجيًّا تجاه المنطقة حوله.
  • ب- يطبق الإسلام بالعدل والإحسان في ذلك البلد، ويسير السيرة الحسنة بين الناس، فيرضون به.
  • ج- يقوم الناس في ذلك البلد ببيعته بيعة انعقاد بالرضا والاختيار، وليس بالإكراه والإجبار، وبشروط البيعة الشرعية، ومنها أن تكون البيعة في الأساس من أهل ذلك البلد، وليست من مجموعة السلطان المتغلِّب، لأنّ البيعة الشرعية هي هكذا، اقتداءً برسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم ، فقد حرص الرسول  صلى الله عليه وآله وسلم في الأساس على أخذ بيعة الأنصار أهل المدينة المنوَّرة بالرضا والاختيار، وليس أخذها من أصحابه المهاجرين، وبيعة العقبة الثانية تنطق بذلك.

وهكذا يستمرّ السلطان المتغلِّب آثمًا، لا تقوم به قائمة شرعية إلّا بعد أن تتحقَّقَ له الشروط الثلاثة أعلاه، فعندها يصبح حكم السلطان المتغلِّب مشروعًا من لحظة تلك البيعة بالرضا والاختيار. هذا هو واقع السلطان المتغلِّب، فعسى أن تعيها أذن واعية. وواضحٌ منها أنّ هذه الشروط لم تتحقّق لأصحاب ذلك الإعلان، بل فرضوا أنفسهم وإعلانهم على غير وجه حقّ.

ممّا سبق يتبيّن أنّهم لم يتّبعوا الطريقة الشرعية الصحيحة، ولا حتّى طريقة السلطان المتغلِّب. بل أعلنوا الخلافة على غير وجهها، وقبل أن تتحقَّق لهم شروطها، فكان إعلانهم لا وزن له شرعًا ولا قيمة، بل هو لغو كأن لم يكن، فلم يتغيّر واقعهم، بل استمرّوا كما كانوا تنظيمًا مسلَّحًا.

اللهم اهدنا إلى أرشد سبيلنا، ووفِّقنا إلى ما تحبّ وترضى، واجعلنا أهلًا لنصرك الكريم، وانصرنا وانصر بنا، ومُنَّ علينا بخلافة على منهاج النبوة، واجعل أفئدة من الناس تهوي إليها. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

صورة منتخبة

 

جولة مع أقسام الدستور